ابن تيمية

67

منهاج السنة النبوية

وَمِنَ الْمَعْلُومِ أَنَّ مَنْ أَنْذَرَ بِعَدُوٍّ يَقْصِدُهُ لَمْ يَقُلْ لِنَذِيرِهِ : قُلْ لِلَّهِ يَخْلُقُ فِيَّ قُدْرَةً عَلَى الْفِرَارِ حَتَّى أَفِرَّ ، بَلْ يَجْتَهِدُ فِي الْفِرَارِ ، وَاللَّهُ هُوَ الَّذِي يُعِينُهُ عَلَى الْفِرَارِ . فَهَذَا الْكَلَامُ لَا يَقُولُهُ إِلَّا مُكَذِّبٌ لِلرُّسُلِ ، إِذْ لَيْسَ فِي الْفِطْرَةِ مَعَ تَصْدِيقِ النَّذِيرِ الِاعْتِلَالُ بِمِثْلِ هَذَا . وَإِذَا كَانَ هَذَا تَكْذِيبًا حَاقَ بِهِ مَا حَاقَ بِالْمُكَذِّبِينَ . الْوَجْهُ الثَّالِثُ : أَنْ يَقُولَ لَهُ : أَنَا لَيْسَ لِي أَنْ أَقُولَ لِرَبِّي [ مِثْلَ ] ( 1 ) هَذَا الْكَلَامِ ، بَلْ عَلَيَّ أَنَّ أُبَلِّغَ رِسَالَاتِهِ ، وَإِنَّمَا عَلَيَّ مَا حُمِّلْتُ وَعَلَيْكَ مَا حُمِّلْتَ ، وَلَيْسَ عَلَيَّ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ ، وَقَدْ قُمْتُ بِهِ ( 2 ) . الرَّابِعُ : أَنْ يَقُولَ : لَيْسَ لِي وَلَا لِغَيْرِي أَنْ يَقُولَ لَهُ : لِمَ لَمْ [ تَجْعَلْ ] ( 3 ) فِي هَذَا كَذَا وَفِي هَذَا كَذَا ، فَإِنَّ النَّاسَ عَلَى قَوْلَيْنِ : مَنْ يَقُولُ ( 4 ) : إِنَّهُ لَا حِكْمَةَ إِلَّا مَحْضُ الْمَشِيئَةِ ، يَقُولُ إِنَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ وَيَحْكُمُ مَا يُرِيدُ . وَمَنْ يَقُولُ : [ إِنَّ ] لَهُ حِكْمَةً ( 5 ) ، يَقُولُ : لَمْ يَفْعَلْ شَيْئًا إِلَّا لِحِكْمَةٍ ، وَلَمْ يَتْرُكْهُ ( 6 ) إِلَّا لِانْتِفَاءِ الْحِكْمَةِ فِيهِ .

--> ( 1 ) مِثْلَ : زِيَادَةٌ فِي ( ع ) فَقَطْ . ( 2 ) أ ، ب : وَقَدْ تَمَّتْ بِهِ . ( 3 ) تَجْعَلْ : سَاقِطَةٌ مِنْ ( ن ) ، ( م ) . ( 4 ) ب ، أ : مِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ، وَهُوَ خَطَأٌ . ( 5 ) ب ، أ : وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَنَّ لَهُ حِكْمَةً ، ن ، م : وَمَنْ يَقُولُ لَهُ حِكْمَةٌ . ( 6 ) ن ، م : وَلَا تَرَكَهُ .